النويري
48
نهاية الأرب في فنون الأدب
المساء ، وقاتل المختار على فم سكَّة شبث عامّة ليلته ، وقاتل معه رجال من أهل البأس ، وقاتلت معه همدان أشدّ قتال ، ثم تفرق الناس عن المختار ، فقال له من معه : أيّها الأمير ، اذهب إلى القصر ، فجاء حتّى دخله ، فقال له بعض أصحابه : ألم تكن وعدتنا الظفر ، وأنّا سنهزمهم ؛ فقال : أما قرأت في كتاب اللَّه « 1 » : * ( يَمْحُوا الله ما يَشاءُ ويُثْبِتُ وعِنْدَه أُمُّ الْكِتابِ ) * . قال : فلما أصبح مصعب أقبل يسير فيمن معه نحو السّبخة ، فمرّ بالمهلَّب ، فقال المهلَّب ، يا له فتحا ما أهناه لو لم يقتل محمد بن الأشعث ، فقال : صدقت ؛ ثم قال [ مصعب ] « 2 » للمهلب : إن عبيد اللَّه بن عليّ بن أبي طالب قد قتل ، فاسترجع المهلَّب . فقال مصعب : إنّما قتله من يزعم أنه شيعة لأبيه ، ثم نزل مصعب السّبخة فقطع عن المختار ومن معه الماء والميرة ، وقاتل المختار ومن معه قتالا ضعيفا ، واجترأ الناس عليهم ، فكانوا إذا خرجوا رماهم الناس من فوق البيوت ، وصبّوا عليهم الماء القذر ، وكان أكثر معاشهم من النساء تأتى المرأة متخفّية ومعها القليل من الطعام والشراب ، ففطن مصعب لذلك ، فمنع النساء ، فاشتد على المختار وأصحابه العطش ، فكانوا يشربون ماء البئر بالعسل ، ثم أمر مصعب أصحابه فاقتربوا من القصر ، واشتدّ الحصار ، فقال المختار لأصحابه : ويلكم ، إنّ الحصار لا يزيدكم إلَّا ضعفا ، فانزلوا بنا نقاتل حتّى نقتل كراما إن نحن قتلنا ، واللَّه ما أنا يائس إن صدقتموهم أن ينصركم اللَّه ، فضعفوا ولم يفعلوا ، فقال لهم :
--> « 1 » سورة الرعد ، آية 39 . « 2 » زيادة من الطبري .